لا أعرف كيف أبدأ.. أؤمن أن العمر يفلت من بين يدي.. ولا أدري كيف قادتني الأيام إلى هذه النقطة المظلمة سريعا؟
كل ما أعرفه أنني أكتب هذا الكلام لا لشيء، سوى أنه مجرد تفريغ.. تنفيس لابد منه لأنني أحسست بوجع ثقيل ينهش في صدري.
كان لزاما أن أتكلم.. وفي محيطي أو بالأحرى في هذا العالم المصاب بالصمم، البيوت صناديق زجاجية تكشف عوراتنا، والناس خناجر تمشي على قدمين، يتهامسون في الخفاء ليغتابوا بعضهم البعض، لكن مافيش حد أتكلم معاه، لا أحد يملك قلبا ليسمع.
فقررت أن أكتب ما أشعر به وخلاص.. أن أقبض على جمرة أحزاني وأقذفها في وجه هذا الفراغ، تماما كما نفعل بوجعنا حين يفيض.. فالألم هو دليلي الوحيد على أنني ما زلت حيا.
أنا رجل في الأربعين من عمره..
أقف في منتصف العمر لأواجه الحقيقة العارية التي أرتجف أمامها كل صباح، وهي وأنني وللأسف، شخص ماتحبش خالص.. لا أحد أحبني لوجه الله، أو لوجه الحب ذاته، سوى أمي وأبي.. وتلك غريزة حتمية تدفع الكائنات لحماية صغارها، لا فضل لي فيها ولا اختيار.
أما أبنائي؟ فلا أعرف إن كانوا يحبونني أم لا.. هل يحبونني أنا، أم يحبون الكيان المانح والحائط الذي يختبئون خلفه؟، لا أدري.. ولا أريد أن أمتحن هؤلاء الناس لأعرف، فبعض الحقائق تقتل.
لماذا لا يحبني أحد إذن؟
لأن على ما أعتقد، لا أحد سيحب شخصا يعرج في مشيته زي حالاتي، وأنا عاجز بنسبة خمسة بالمائة أساسا، مجرد ٥٪ في الأوراق الحكومية، لكنها في حسبة البشر القاسية تبتلع النسبة الباقية كلها.
في الأساطير الإغريقية، كان إله الحدادة "هيفايستوس" أعرجا، فقذفت به أمه من أعلى قمة الأوليمب تخلصا من عاره، وخانته زوجته آلهة الجمال.. فإذا كانت الآلهة لا ترحم النقص، فهل سترحمه نساء الأرض؟..
عندما أخلو بنفسي أدرك الحقيقة المرة: مافيش فيا حاجة تتحب ولا تشد.. أنا كائن باهت، مجرد رقم في زحمة الدنيا.
أتذكر (م) حب الجامعة والبدايات..
ظننتها "بينيلوبي" الأسطورية التي ستغزل ثوب انتظارها لي، لكنها كانت ككل شيء في هذا الزمان، أنانية تميل مع البريق.. كلما ظهر في الأفق شخص أفضل مني ولو بدرجات بسيطة، كانت تنسل من يدي وبتروح معاه!
وما يضاعف المأساة، أنني رجل بلا مخالب..أنا شخص أصلا لا يدافع عن نفسه.. أسكت.. أكتفي بالصمت دوما أقول: عند ربنا
لا أعرف كيف أصرخ قائلا فعلت وأفعل.. وعلشان كده بيضيع حقي، لا أعرف إن كان هذا ضعفا أم استسلاما.. ربما لأنني أساسا لساني تقيل في الكلام، تمنيت لو انحلت عقدة لساني كما انحلت لنبي الله موسى، لكنني تركت العقدة تلتف حول عنقي حتى كادت تخنقني.
أنا متأكد أن بي شيء خطأ لا أعرفه.
المهم
فات الزمن ومرت السنين.. وتساقطت الأشياء لتكشف عن حقيقة واحدة تفقأ عيني..
إنني متزوج من إنسانة سيئة جدا جدا جدا جدا
وإنني لا أحبها، وأقنع نفسي أنني أحبها، لكنني لا أفعل.
الفرصة الوحيدة التي كانت لي للنجاة، ضاعت.. يوم تركتها مرة ونحن مخطوبان.. كان باب السجن مفتوحا وهواء الحرية يلامس وجهي، لكني بغباء الفراشات عدت وأغلقت الباب على نفسي من الداخل.
لماذا أبقى الآن؟..
الإجابة بسيطة: لأني عايز أعيش مع عيالي
إذن أنا أتنازل عن روحي ليحيا أبنائي في حضني.
حين جربت الابتعاد عنها مرة، كشرت عن أنيابها وحرمتني من عيالي، كعادة كل امرأة في هذه الظروف، تستحضر فورا روح بطلة التراجيديا اليونانية التي ذبحت أبناءها نكاية في زوجها لتذيقه العذاب.. هي أيضا ستحرمني منهم وتستخدمهم كدروع بشرية.
إنسانة أنانية بشكل بشع، شخص مستهلك في كل شيء، يبتلع الروح، ولا أعرف آخرتها معها.
أوقات يراودني شعور بأنها وافقت عليّ فقط لأن مافيش عريس غيري.
كان عمرها آنذاك خمسا وثلاثين سنة، وقطار العنوسة يطلق صافراته المزعجة في رأسها كإنذار غارة جوية، وأنا كنت العريس الجاهز بماله وشقته وسيارته الصغيرة.. فاحتمت بي.
عاجز؟ مش مهم، المهم أنني الوجبة السريعة التي تسد بها جوع المجتمع المتطفل.
أشعر بذلك من قسوتها في الخصام.. مافيش مرة جت تصالحني لما نتخانق، كبرياء أجوف يداري احتقارا دفينا يعميها.
وأنا بصراحة بطلت أصالحها، مع مرور السنين أصابني التبلد الوجداني، وأصبحت أقول لنفسي: عادي.. أهو قلة الكلام راحة من ثرثرتها، ومشاكل أهلها، وعراكها الذي لا ينتهي كل يومين مع زملائها في العمل.
لكن لا أريد أن أهجوها أكثر من ذلك.
فعلى ما يبدو أنها مشكلتي!
طول عمري بتساب.. ايه الجديد؟.. طول عمري مجرد بيدق تافه في رقعة شطرنج يضحون به ليحيا سادة اللعبة.
أنا فعلا زهقت..
لقد استوى عندي الوجود والعدم.
بل أصبحت مستعدا للموت.
أوقات أشعر أنني سأموت الآن، فأغمض عيني وكأنني أقول للموت: يالا تعالى.
فليحدث الآن وينهي هذه المسرحية.
كنت أخاف من الموت زمان، لكنني من فترة لم أعد أخشاه خالص.. أراه راحة لي ولأمثالي.. شوبنهاور كان محقا حين رأى أن الحياة بندول يتأرجح بين الألم والملل.. وأنا تجاوزت الملل من زمن، وأسكن الآن في قلب الألم الأبدي
لدرجة أنني.. ومن فرط استسلامي.. بطلت سجاير!
ليس حرصا على صحة جسد أود التخلص منه.. بل قلت لنفسي: كي أدخل الجنة عندما أموت!
مقايضة بائسة مع السماء
أترك متعتي الوحيدة لعلها تكون حسنة تقربني من الجنة وخلاص..
وإنني أرجو أن أجد هناك ركنا هادئا.. بلا مكائد.. بلا ساق تعرج..
نفسي أجد هناك... إيه؟؟
مش عارف والله.. بس كده!