هناك موجات فيروسية من المنشورات المجهولة تطفو على السطح بين الحين والآخر، تلوك سيرة الزعيم أنور السادات بلغة هزلية مريبة.
والحقيقة أشعر بحالة من القرف حين أرى البعض يتناقش بجدية حول واحدة من أحقر الأساطير التي أنتجها جيل السبعينيات وتم توريثها بعناية، وهي أسطورة السادات الذي أدار مفاوضات فض الاشتباك وهو "مسطول".
هذا الكلام "السبعيناتي الرخيص" تحول من نكتة لأداة لضرب الوعي المصري وتصوير استرداد الأرض كأنه ضربة حظ، هذا في أفضل الأحوال إذا تكرم هؤلاء واعترفوا أن مصر استعادت أرضها، أو يقولون: كان السادات يحشش وهو يفاوض كسينجر وأضاع سيادة مصر.
والهدف، هو التقليل من حجم إعجاز رجل استطاع أن يفك شفرة الاستراتيجية الدولية بينما كان خصومه غارقين في شبر مية.
لقد بحثت وراء أصل هذه الأكذوبة الأسطورية، ووجدت أن خيطها الأول يبدأ عند السفير السوفيتي في القاهرة، فلاديمير فينوجرادوف.
هذا الرجل، في تقاريره لموسكو تحديدا أثناء زيارة "كوسيجين" للقاهرة، زعم أن السادات كان يدخن الحشيش بشكل متواصل ومنفصلا عن الواقع.
طبعا، لست بحاجة للتدليل على زيف هذا الادعاء بالإشارة فقط إلى "غل" السوفيت من السادات بعد أن وجه لهم الإهانة الكبرى بطرد خبرائهم في 72، بذكاء يحسد عليه، فكان السوفيت يحاولون تعزية أنفسهم وتفسير تحوله نحو أمريكا بكونه "غير متزن"، بدلا من الاعتراف بأنهم فشلوا سياسيا أمام دهاء هذا الفلاح المصري.
لكني سأدلل بعرض شهادة الخصم والحكم، هنري كسينجر، وزير خارجية أمريكا آنذاك، وعرّاب الدبلوماسية في العالم.
كسينجر، المعروف بلسانه
اللاذع ونقده الجارح لكل شخصيات عصره، كتب في مذكراته "سنوات الاضطراب"
أوصافا للسادات تخلو تماما من أي تلميح بالتقليل منه.
يقول كسينجر نصا عن لقائه الأول بالسادات في نوفمبر 73:
"خرج السادات أطول قامة وأكثر سمرة وهيبة مما كنت أتوقع. كان يشع حيوية وثقة.. تصرف وكأن نتيجة الحرب لم تكن محل شك".
بل إن كسينجر، في مقاله التاريخي بمجلة "تايم" بعد الاغتيال والذي يفيض تقديرا له، وصفه بـ "النبي" الذي يمتلك قدرة فريدة على تجاوز "تفاهات التفاصيل لرؤية الصورة الكبرى".
هل يعقل أن يصف "ثعلب السياسة الدولية" رجلا "مسطولا" بهذه الأوصاف؟
وهنا أضطر للذهاب إلى النقطة التي يتخذها مروجو الأوهام دليلا على التنازل، وهي قصة الـ 30 دبابة في مفاوضات فض الاشتباك الأول بعد حرب أكتوبر.
يحاولون التسويق منذ زمن لما قاله المشير الجمسي عن دخوله الحمام باكيا لأن السادات وافق على هذا العدد القليل.
الحقيقة أن هذا الموقف لا يدين السادات، بل يؤكد عبقريته.
السادات كان رجل استراتيجية، كما وصفه كسينجر، قادر على تجاوز التفاصيل وتفاهاتها.
السادات أكد وجهة نظر كسينجر في هذه الجملة، وقال لنبيل العربي لاحقا في كامب ديفيد: "يا نبيل إنتم شوية سباكين، إنتم باصين على الشجرة وأنا باصص على الغابة كلها"، هذا حين اعترض فريق الدبلوماسية على تفاوضه.
السادات قال لكسينجر أيضا بوضوح: "أريد أن أتحدث معك على المستوى الاستراتيجي، لن أجادل في وقف إطلاق النار أو عدد دبابات"، وهي واقعة سجلها
هيكل في "خريف الغضب".
وحلل كسينجر هذا التصرف من السادات، بأنه تصرف ذكي واسع الأفق، فبحسب كسينجر، أدرك السادات أن وجود 300 دبابة أو 30 لن يغير
ميزان القوى أمام الترسانة الإسرائيلية في تلك المنطقة، لكنه كان يريد تثبيت
تسليح وانتزاع تحرك سياسي، فالضمان الأمريكي له هو أهم من كل شيء.
المضحك أن العدو نفسه كان مصدوما.
كسينجر يروي أن السفير الإسرائيلي "سمحا دينيتز" حين نُقلت إليه موافقة السادات، صُعق وسأل: "يعني مطلبش 300؟ طلب 30 بس؟".
الإسرائيليون كانوا يتوقعون فصال طويل، لكن السادات كسر الجمود النفسي بأسلوب استراتيجي، فكانت النتيجة أن إسرائيل وافقت على تخفيض قواتها في "المنطقة ج" أيضا، والمنطقة ج كانت إسرائيلية في مفاوضات فض الاشتباك.
لقد أعطى السادات ورقة الدبابات ليأخذ ورقة فك الحصار وفتح القناة وبدء الانسحاب، فأي تنازل يتحدث عنه هؤلاء المزيفون؟
وبينما كان هو يخلّص
وطنه، كان غيره مثل حافظ الأسد، غارقا في التفاوض والعراك على 100 متر مختلف فيهم مع إسرائيل أضاع بسببهم أراضيه ليتركها محتلة حتى يومنا هذا.
إن مأساة السادات، تماماً كأزمة الوعي التي نعيشها اليوم، تكمن في أن الجراد الإعلامي والشعبي استمرأ النكتة السخيفة حتى ظنها واقعا وحقيقة.
من المخجل أن نصدق أن من استرد الأرض كان مغيبا ومحششا، بينما الحقيقة أننا نحن من نعيش غيبة الوعي تحت وطأة المنشورات المجهولة، ومدعي المعرفة والتاريخ والثقافة.
رحمة الله على الزعيم.
للإطلاع على بعض المصادر