لا أعرف لماذا يقترن الشتاء في رأسي دائما بالكآبة والموت البطيء؟
هل ربما لأن المدارس تفتح أبوابها؟
نعم، فالبيت عندي يفقد صفته كبيت.. يتحول فجأة إلى سنتر دروس خصوصية.. الإضاءة الدافئة تختفي .. تحل محلها لمبات بيضاء.. وسجاد الصالة يغرق في بقايا الأقلام.. تغطيه بقايا "أستيكة" وبري أقلام الرصاص.. فوضى عارمة.. ومدرسون يدخلون ويخرجون بأحذية تحمل طين الشوارع إلى صالة بيتنا، ليجلس أحدهم في مقعدي المفضل ويشرب الشاي في كوبي الخاص.. وزوجتي لا تفعل شيئا في الحياة سوى الصويت وراء العيال بسبب المذاكرة.
لا توجد حياة.. مجرد طاحونة!
حتى في الغداء.. نجلس.. فأزيح كتاب الماث، ولا بد أن تنطق "ماث" لا "ماس" فهذا أهم شيء، وبخجل أزيحه لأضع طبقي.. هي تأكل وعينها على مسألة حسابية.. تمتد يدها وهي تصرخ لتمسح صلصة طائشة عن فم الصغير.. تفعل ذلك بعصبية مفرطة.. بينما أختنق أنا بكُحة وشرقة.. فلا تلتفت.. ولا تناولني حتى كوب ماء!
المشهد واضح.. أنا لم أعد موجودا.. لقد أصبحت عصفور عبد المنعم إبواهيم في طاقية الإخفا!، مجرد شبح يشاركهم مائدة الطعام!.
زمان وآه من زمان..
كانت زوجتي امرأة أخرى.. كانت تمشي فيتبختر المكان.. تعتني بكل تفصيلة صغيرة.. كانت تنتقي عطرها كما تنتقي كلماتها لتظل أنثى في عيني.
ولكن بمجرد أن جاء الأولاد، تضاءلت الزوجة وكبرت الأم.. واختفت تلك الأنثى الغاوية، وظهر فجأة ذلك الكائن الغاضب الذي يرتدي روب الشتاء الكحلي الكئيب طوال الموسم، رافعة شعرها بمشبك قاس كأنه خوذة حرب!.
حتى الدولاب.. أفتحه أبحث عن شيء وسط العتمة.. فأرى فساتينها الملونة.. تلك التي كانت ترتديها لي وحدي.. أراها مدفونة في أقصى الزاوية.. تختنق تحت البطاطين الثقيلة.
والله ليس دولابا.. أقسم لكم ليس دولابا!
إنه قبر مظلم موحش!
لقد دفنت أنوثتها بأمومتها.. فهل لا يجوز أن تكون الأم أنثى؟!
كيف استبدلت نظرتها الشغوفة بنظرة قاسية، عصبية لا تنتهي..؟
نتقابل مصادفة في طرقة البيت!
زمان كان هذا المرور فرصة.. للمسة سافلة.. أو عناق خاطف.. أو قبلة
الآن الوضع اختلف.. حين تراني قادما تطوي كتفيها.. تلصق جسدها بالحائط.. تمر دون أن يلامسني ثوبها.. هي لا تكرهني.. لكنها تتجنبني.. كأن مسّة مني ستصيبها بعدوى..
لا أعرف
المهم أن العاطفة جفت.. ولا أعرف.. وهذا كل ما أعرفه!
وحين يفيض بي الكيل وأحاول الكلام معها.. أعود من عملي منهكا مثلا، أبحث عن أذن تسمعني.
أقول لها: أين أنا من كل هذا؟ لا يصح أن ينحصر وجودك كله في العيال.. فتسكتني بإشارة حاسمة من يدها لأن "الولد بيحفظ كلمات الإنجليزي!".. ثم ترد علي بابتزاز عاطفي: "اقعد ذاكرلهم انت!"
معقول؟!
إنهم يأخذون دروسا في كل المواد أصلا!..
أي أنني أدفع مالي وعمري ليقوم شخص آخر بهذا الدور، ومع ذلك تطالبني بالجلوس للمذاكرة.. وكل هذا الصراخ والحرقة على الدرجات، وفي النهاية مستوى الأولاد عادي جدا.. على كل هذا المجهود، هم ليسوا من الأوائل مثلا .. مجرد أطفال عاديين نسرق طفولتهم في منظومة تعليمية عبثية لن تفيدهم بشيء في هذا العالم الذي صارت متطلباته تتبدل كل ثانية.
حتى في السيارة.. أتحول رسميا إلى "سواق الهانم" .. أضبط المرآة لأختلس نظرة.. فأجدها في الخلف معهم.. تسمّع لهم النصوص.. أمد يدي لأشغل أغنية قديمة.. أغنية كنا نذوب فيها عشقا.. فتصرخ: "إقفل العيال مش مركزة".
نعم.. أطفئ التسجيل.. بل أطفئ روحي معه.. وكل ذكرى جميلة.
والمأساة الحقيقية التي ترعبني هي أننا نكبر.. أقف أمام المرآة لألمح الخيوط البيضاء تغزو رأسي.. العمر يتسرب من بين أصابعنا.. وهي غافلة تماما.. أو ربما منتبهة مع عيالها فقط.. فهل هذا طبيعي؟
هل نتزوج لننجب؟، وبعد ذلك تنتهي الحياة لمجرد أن الأولاد كبروا وبدأوا في الدراسة؟..
إنه مسلسل سخيف وممل ينتهي بعد 15 سنة، وحينها يكون العيال تاهوا في الحياة، والزوج والزوجة قد كبروا.. وعجزوا.. وأصبحوا خردة استنفدت غرضها وتنتظر الموت!
يا له من عبث!
وفي ظل هذا.. كان طبيعيا أن أكون فريسة سهلة.. ظهرت إحدى الزميلات في العمل.. امرأة التقطت مأساتي.
امرأة لاحظت ما لم تلاحظه زوجتي منذ سنوات!
يوما رأت زرا مقطوعا في قميصي
ويوما لمحت ياقة غير مكوية، فاقتربت تهمس لي: "مراتك مش واخدة بالها منك ولا ايه؟"..
وفي يوم، استغلت خلو المكتب، واقتربت مني حتى حاصرتني.. وبجرأة لا تخلو من غواية، دعتني صراحة في شقتها.. كانت تعرض علي الأنوثة التي فقدتها.. تعرض علي أن أكون بطل قصتها، لا مجرد ماكينة ATM تدفع أقساط المدارس والدروس الخصوصية.
ولكنني ببلادة غريبة، اعتذرت!
لم أعتذر لأنني قديس.. بل لأنني اكتشفت أن ثلاجة الموتى التي أعيش فيها قد نجحت في إخصائي نفسيا.. لم يعد لدي طاقة أو شغف حتى لاقتراف الخطيئة!.
وأنا أسأل: من فيكم يستطيع أن يتحمل ما أنا فيه
كيف لامرأة ألا تطلب زوجها لعلاقة لمدة سنة!
كيف يستمر هذا الجفاء؟
الشهور تمر، وننام كأخوين غريبين في سرير واحد، يفصل بيننا جدار من الهموم.. هل فقدت رجولتي؟ .. أم أن دورة الحياة لا تعبأ بانطفاء الذكور؟.. ووجودنا مجرد محطة.. ندفع الضريبة البيولوجية والمالية.. ثم يُستغنى عن خدماتنا!
وأنا والله لا أطلب أي شيء مستحيل!
كل ما أريده، وأقصى ما يتمناه إنسان مطحون مثلي، هو مجرد نظرة أو "طبطبة"..
تقتلني الذكريات حين أكون جالسا في البلكونة الواسعة.. مخنوقا وناقما على الدنيا.. أشرب سيجارة وأسرح في الدخان بحثا عن منفذ.. فأتخيل أنها تفتح الباب.. تدخل من تلقاء نفسها كما كانت تفعل في سنواتنا الأولى، وفي يدها كوب شاي أو عصير أو طبق فاكهة.. تضعه أمامي.. حتى لو دون كلام أو دلع كما في الماضي..
مجرد إشارة إلى أنها تراني.. أنها تشعر بوجع ووجود هذا الرجل الذي يحترق في صمت.. هذا هو قمة الحب المخبأ في التفاصيل.. ولكنها لا تفعل..
أسعل بصوت مرتفع في الشرفة ليلا لعلها تنتبه، فتكتفي بأن تغلق باب الألوميتال بإحكام حتى لا يدخل دخان سيجارتي وصوت سعالي إلى حيث ينام الأولاد!
فأي كلام أقوله.. يدفعها للهروب.. أو لنداء الأطفال.. وأحيانا تناديهم وهم في المدرسة أصلا!.. تفعل ذلك هربا.. وقرفا.. وضيقا..
أما أنا لا أعرف.. سوى أنه لا.. فائدة ولا أمل!
فهل أكرر الخطيئة وأتزوج ثانية؟ أم أقترف خطيئة أقل هونا وأذهب لشقة زميلتي!