JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل
Startseite

القارئ المخبر والقارئ الحمار.. مأساة الصحفي في الإعلام الجديد!


كان من الممكن أن تضع المؤسسات الصحفية القديمة القارئ الحمار على كشوف العاملين لديها، في قسم التوزيع تحديدا، فهو يؤدي وظيفة لا يقدر عليها أكثر الموظفين نشاطا، ويستطيع أن يحمل مقالا من صفحة مغمورة إلى عشرات الآلاف من الناس، دون أن يكلف صاحبه مليما واحدا!

ربما لم يشعر أساتذتنا قديما، بأثر هذا النوع من القارئ، فهو لا يرى رد فعله.

لكن الآن نرى أثره بشكل فوري، لأننا نكتب ونرى تفاعل القارئ بشكل لحظي.

وكل ما يحتاج إليه هذا القارئ أن تقع عيناه على عبارة تثير غضبه، فيسارع إلى اتهام الكاتب بشيء لم يقله، ويستدعي رفاقه إلى المعركة، وينشغل الجميع بالدفاع والهجوم، بينما المقال نفسه مستلق في مكانه لا يناقشه أحد.

ولا أعرف على وجه الدقة من الذي أقنع هذا الصنف من القراء بأن إبداء الرأي لا يستلزم معرفة الموضوع، لكنها فكرة لاقت نجاحا هائلا، حتى أصبح عندنا أشخاص يستطيعون أن يناقشوك في كتاب لم يقرأوه، ويفندوا وثيقة لم يروها، ويشككوا في شهادة تاريخية لم يسمعوا باسم صاحبها، ويخرجوا من المناقشة على يقين بأنك لم تستطع الرد عليهم، ولو كنت قد أجبت عن اعتراضاتهم كلها في النص الذي يرفضون قراءته!

وفي الأمر جانب تجاري لا يخلو من الطرافة.

 فالكاتب الذي يثير غضب عشرة حمقى قد يجد نفسه أكثر انتشارا من زميل أمضى أسبوعا كاملا يبحث في موضوع يستحق القراءة، لأن الشتيمة صارت تؤدي وظيفة الإعلان، وسوء الفهم بات أصلا من الأصول التي يمكن استثمارها بنجاح!

ولست متأكدا أن كل الكتاب يكرهون هذه الظاهرة فعلا، فمنهم من اكتشف أسرارها، وأصبح يعرف كيف يضع في مقاله كلمة تستدعي الغاضبين، أو عنوانا يحتمل معنى لا يقصده، أو عبارة ناقصة يترك للقارئ مهمة إكمالها بما يشاء.. فيشتعل الخلاف وتتحرك الأرقام، ويقف صاحبنا متعجبا من سوء فهم الناس له!

وهي تجارة مغرية لمن يعرفها ويتقنها، وأظني هذا الشخص منذ نعومة الأظافر رغم كونها لا تزال ناعمة حتى الآن. 

لماذا إذن هي تجارة مغرية؟ 

ببساطة لأن الكاتب يستطيع أن يحتفظ لنفسه بصورة الإنسان المثقف الذي يحارب الجهل، بينما يعيش جزء من انتشاره على وجود هذا الجهل نفسه.

وأنا أخشى أنه قد يجيء يوم يصبح فيه انقراض القارئ الأحمق خبرا سيئا لبعض أصحاب الأقلام، فماذا يفعلون إذا قرأ الناس ما يكتبون وفهموه من أول مرة، ثم ناقشوه بهدوء وانصرفوا إلى أعمالهم؟!

سوف تضطرهم هذه المصيبة ربما إلى التوقف عن الكتابة! 

هل أبدو غير واضح؟ 

حسنا.. سأوضح لك ما أقصده.

في مقالة "لماذا أكتب؟" التي نشرها جورج أورويل سنة 1946، تحدث الرجل بصراحة أحبها عن الدوافع التي تقف وراء الكتابة أصلا، ولم يكتف بتلك الأسباب النبيلة التي يحب الكتاب أن ينسبوها إلى أنفسهم، بل وضع الأنانية وحب الظهور ضمن دوافعه الأربعة، إلى جوار الحماس الجمالي والرغبة في تسجيل الحقيقة والغاية السياسية.

والحقيقة أن الكاتب الذي لا يريد أن يقرأه الناس، يبدو لي صاحب مشروع غريب.

 فما الذي يدفع إنسانا إلى قضاء أيام في البحث والكتابة والمراجعة، ثم لا يعنيه أن يعرف الناس ما توصل إليه؟!

إن الوصول إلى الجمهور رغبة مشروعة، والانتشار مكسب يستحق أن نفرح به، والكتابة عمل يمكن أن يكسب الإنسان منه رزقه دون أن يضطر إلى تقديم شهادة فقر تثبت نزاهته.

وقد نشأت حول الصحافة أوهام كثيرة، من بينها أن الصحفي الشريف ينبغي أن يكون فقيرا، وأن الذي يكسب من الكتابة لابد أن يكون قد باع شيئا من ضميره، مع أننا نعرف صحفيين عاشوا في بحبوحة من المال واحتفظوا باستقلالهم، وآخرين لم ينالوا من الدنيا إلا القليل، ومع ذلك كانوا مستعدين لتقديم خدمات لا تليق بأصحاب المهنة!

وكانت المشكلة في الوصول إلى الناس.. فقد امتلكت المؤسسات الصحفية لفترة طويلة مفاتيح هذا الوصول، وأصبح مصير الكاتب معلقا أحيانا برأي رجل يجلس خلف مكتب في جريدة، يعرف جيدا ما الذي يمكن نشره وما الذي يفضل الاحتفاظ به في الأدراج.

ولن أنكر فضل رؤساء التحرير الكبار، حتى الذين لم أعاصرهم، فقد تعلمت على أيديهم، أشياء كثيرة. 

لكن المهنة عرفت أيضا أشخاصا بلغوا من الحرص على سلامة الجريدة أنهم كادوا يمنعون عنها الأخبار تماما!

وكان في مقدور أحدهم أن يرفض مقالا دون أن يقرأه، لمجرد أنه يعرف صاحبه، أو يضيق بالمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها، أو يتوقع أن يغضب منه شخص مهم، وربما احتفظ بمقال جيد لعدة أشهر حتى يفقد مناسبته، ثم اعتذر للكاتب بأن ظروف النشر لم تكن مواتية!

ولا يعرف معنى هذا الإحباط إلا من مر بتلك التجربة.

ولم يقتصر الأمر على المؤسسات، فقد نشأت في حياتنا الثقافية والسياسية مجموعات صغيرة استأثرت لنفسها بحق تفسير التاريخ وتحديد الأشخاص الذين ينبغي احترامهم، جماعات من اليساريين والناصريين والإسلاميين والليبراليين وغيرهم، لكل منها قاموس خاص للتصنيف والإدانة، ونسخة معتمدة من الماضي، وأسماء لا يجوز الاقتراب منها إلا بالثناء.

وكان أسهل كثيرا أن تتهم صاحب الرأي بالعمالة أو الجهل أو الرجعية، بدلا من أن تجلس معه لتناقش الوقائع التي استند إليها.

وأعترف بأن بعض هذه المعارك لم يكن يدور حول الأفكار أصلا.. فقد كانت هناك مصالح ومواقع ونفوذ وخصومات شخصية قديمة، يتوارثها التلاميذ عن الأساتذة، حتى تجد رجلا في الخامسة والعشرين يدافع بحماسة عن عداوة بدأت قبل مولده بثلاثين سنة!

ثم وصل الإنترنت، ومعه كارثة حقيقية لأصحاب الامتيازات القديمة.

أصبح في مقدور شخص مجهول أن يعثر على وثيقة تنقض رواية يرددها كاتب كبير منذ عقود، وأن ينشرها أمام الناس دون أن ينتظر موافقة الرجل أو يستأذن تلاميذه، وأصبح القارئ نفسه قادرا على العودة إلى الأرشيف ومقارنة الشهادات، واكتشاف أن بعض الحقائق التي تربى عليها لم تكن حقائق بالمعنى الدقيق، وإنما آراء تكررت كثيرا حتى نسينا أنها آراء!

ولست أتصور أن هذه الثورة التكنولوجية جعلت الناس أكثر ذكاء بصورة تلقائية، فقد أتاحت للجهل وسائل انتشار لم يكن يحلم بها، وسمحت لرجل لا يعرف شيئا عن الاقتصاد أن يشرح أسراره للملايين، ولآخر لم يفتح كتابا في التاريخ أن يعيد تأليف تاريخ العالم في فيديو مدته ثلاث دقائق!

ولكنها أحدثت تحولا يستحق الانتباه، وهو أن أصحاب المنابر القديمة فقدوا القدرة على منع غيرهم من الكلام، وأصبح عليهم أن ينافسوا في سوق لم يعودوا يتحكمون في أبوابه.

وبالنسبة إلى صحفي يريد أن يعمل خارج المؤسسات التقليدية، فإن هذه فرصة عظيمة، يستطيع أن يمتلك قناته، وأن ينشر بحثه، ويقدم مصادره، ويشرح رأيه، ويتحمل مسؤوليته مباشرة أمام الذين يقرأونه.

أما المعضلة التي لم نكن ننتبه إليها في البداية، فهي أن هذه الحرية جاءت مصحوبة بسوق جديد، له قوانينه وحساباته، وربما كان أشد ميلا إلى إفساد الصحافة من بعض رؤساء التحرير الذين نجونا منهم!

فالمنصات الحديثة لا تطلب من الكاتب أن يكون كاذبا، ولا تجبره على تغيير موقفه السياسي، لكنها تعرض عليه مكافآت مغرية كلما نجح في إثارة الناس، ويستطيع مع الوقت أن يعرف الموضوع الذي يجلب له المشاهدات، والشخصية التي يثير ذكرها الشجار، والطريقة التي يمكن أن يحول بها خبرا صغيرا إلى قضية تهدد مصير الأمة!

ومن هنا قد يبدأ فساد الكاتب وهو مطمئن إلى أنه يمارس حريته كاملة.

فهو أي نعم.. لا يتلقى تعليمات من جهة أمنية، ولا يراجعه رئيس تحرير، ولا ينتظر تصريحا بالنشر، لكنه قد يمتنع عن كتابة موضوع يعرف أنه مهم لأن جمهوره لن يهتم به، أو يتجنب معلومة صحيحة لأنها تخالف الرواية التي اعتاد الدفاع عنها.

وقد ينتهي الأمر بأن يصبح الكاتب أشد خوفا من متابعيه مما كان يخاف الصحفي القديم من رئيسه!

وأستطيع أن أتفهم هذا الخوف.. فالإنسان الذي أمضى سنوات يبني جمهورا كبيرا قد يجد صعوبة في الاعتراف أمامه بأنه أخطأ في مسألة جوهرية .. خصوصا إذا كان قد قدم نفسه طويلًا باعتباره صاحب الحقيقة التي أخفاها الآخرون.

ولكن ماذا تبقى من استقلال الصحفي حين يتحول جمهوره إلى جماعة لا يستطيع مخالفتها؟

وكم من شخص بدأ رحلته على المنصات محاولا تحرير الناس من الروايات الجاهزة، ثم وجد نفسه بعد سنوات يملك رواية جاهزة أخرى، ويحيط به جمهور يعاقب كل من يخرج عنها؟!

والمرء لا يشعر بهذه التحولات سريعا، فقد تأتي في صورة تنازلات صغيرة، أو عناوين أكثر إثارة، أو مبالغة عابرة، حتى يصبح من الطبيعي أن يتجاهل معلومة مهمة لأنها تفسد عليه الحلقة التي أعدها، أو يؤجل نشر وثيقة لأنها لا تتفق مع موقفه من صاحبها.

وقد يكون أكثر ما يؤسفني في هذه الظاهرة أننا خرجنا من زمن كان الصحفي يخشى فيه أن يغضب المسؤول، لنجد أنفسنا أمام صحفي يخشى أن يغضب المتابع!

أما أسوأ أنواع القراء والمتابعين الذين لاحظتهم وابتليت بهم مؤخرا.. فهم الأمنجية الذين لا يكتفون بإساءة فهم ما تكتب، بل يتمنون أن تتحول قراءتهم إلى قضية أمنية! 

فنحن كما تعرفون، نعيش حالة من اليقظة الأمنية العظيمة، اتسعت فيها مهام حماية المجتمع حتى شملت الأفكار التي تحلّق في الهواء، والكلمات التي قد تنطوي على معان غير لائقة، وأصبح بعض المواطنين يتطوعون لتقويم سلوك إخوانهم من قليلي الأدب والحياء الذين يتصورون أن حرية التعبير تبيح لهم إزعاج الناس بآرائهم! 

وقد ساعد على ذلك ظهور جيل جديد من القراء المرشدين لا يحتاج إلى مرتب أو تكليف رسمي، يكفي أن تمنحه هاتفا واتصالا بالإنترنت وشعورا بأنه يحمي الدولة، حتى يتفرغ لمراقبة ضمائر الآخرين، ويصبح أكثر حرصا على هيبة السلطة من بعض أصحابها!

وطبعا هذا السلوك المقرف ليس بكل هذه البراءة، هناك بالطبع جروبات ولجان إلكترونية يقودها شباب، وعلاقات ومصالح وأدوار تستحق حديثا مستقلا، وأعرف عن هذا العالم بعض ما يجعلني أستعير صوت رياض الخولي في "طيور الظلام" وأقول: "أنا أعلم عنهم الكثير"، ولكني لا أريد أن أحرمهم من فضيلة الستر التي يطالبون بها الجميع، ويستثنون أنفسهم منها!

والأغرب أن أحد هؤلاء، قد يتصور نفسه مدافعا عن الوطن، وأن الصحفي الذي يكشف خطأ ارتكبه مسؤول قد أساء إلى بلده، بينما يكون هو قد أدى واجبه الوطني حين أقنع الناس بأن الخطأ لم يحدث أصلا!

وهذا فخ وقع فيه كثيرون من الإعلاميين والصحفيين، ووقعوا أسرى لنفاق السلطة وهذه النوعية من البهائم التي يطلقونها على المنشورات، فتحول زملاؤنا وأساتذنا إلى مهرجين إرضاء لهذه المجموعات التي تعيش في حظائر إلكترونية. 

لأنهم نجحوا في أن تختلط في حياتنا العامة معاني الدولة والحكومة والمسؤول والوطن، حتى أصبح نقد أحدهم عند بعض الناس اعتداء على الجميع، وصار الدفاع عن شخص يشغل منصبا حكوميا حتى لو كان رئيس الدولة.. دليلا على الوطنية، مهما كانت الوقائع التي ندافع عنها أو نحاول إخفاءها.

وهذه طريقة سهلة في حب الوطن.. لا تحتاج إلى معرفة تاريخه أو فهم مصالحه أو الاهتمام بمستقبله، ويمكن لصاحبها أن يغير رأيه في أي قضية بمجرد تغير موقف المسؤول منها، ويظل وطنيًا بالدرجة نفسها طوال الوقت!

وقد ينجح هذا الأسلوب لبعض الوقت.. لكنه يترك أثرا مدمرا على الثقة العامة في الصحافة.

فالناس قد تصدق رجلا أخطأ مرة، وتغفر له إذا اعترف بخطئه، وربما تحترمه أكثر لأنه تراجع عن معلومة تبين له عدم صحتها، لكنها تجد صعوبة في تصديق إنسان يبدو أن جميع الوقائع التي يتناولها تؤدي إلى النتيجة نفسها، وأن كل ما يحدث يؤكد صحة الموقف الذي اتخذه من البداية!

وفي لحظة ما يفقد الرجل القدرة على التأثير، فيستمر في الكلام، ويستمر الجمهور في المشاهدة أحيانا، لكنه يشاهده كما يشاهد الممثل الذي يعرف دوره مسبقا، وينتظر منه الجملة التي اعتاد سماعها، وربما يضحك حين يكررها في غير موضعها!

وما أقسى أن يتحول صحفي إلى مادة للتندر، بينما هو يعتقد أنه لا يزال يصنع الرأي العام!

وقد يعتقد الصحفي أو الإعلامي أنه صاحب قيمة قيمة كبيرة لأنه يكشف أكاذيب خصومه، لكنه لا يدري أن هذه القيمة سرعان ما تزول، حين يتساهل مع الأكاذيب التي تخدم موقفه، فلا معنى للدفاع عن حق الناس في المعرفة إذا كنا سنختار لهم فقط المعلومات التي تساعدهم على الاتفاق معنا.

هناك شيء آخر يستوقفني في معارك الصحافة والسياسة على الإنترنت، وهو الإصرار على تفسير كل خلاف باعتباره دليلا على فساد النية.

فإذا نشرت وثيقة أو شهادة أو مادة أرشيفية حتى قيل إنك اخترت توقيتا مريبا، وإذا ناقشت واقعة تاريخية سُئلت عن الشخص الذي يريد الاستفادة من إثارتها، وإذا قدمت معلومة تخالف الرواية الشائعة فربما اكتشف بعضهم أنك تعمل لحساب جهة لا نعرفها!

وقد تصل المناقشة إلى مستوى من العبث يجعل صحة المعلومة آخر ما يهتم به المتحاورون، فيتجادلون ساعات طويلة حول دوافع صاحبها، دون أن يكلف أحدهم نفسه بمراجعة المصدر الذي استند إليه!

وأعترف بأن السؤال عن المصالح والانحيازات مشروع أحيانا.. فالصحافة لا تعمل في فراغ، وقد تؤثر المصالح المالية والسياسية في اختيارات أصحابها، لكن تحويل كل نقاش إلى محاكمة للضمائر يجعلنا عاجزين عن معرفة أي شيء.

فالرجل الذي لا نثق في نواياه قد يقول حقيقة صحيحة، والذي نحبه ونحسن الظن به قد يردد أكذوبة، ولن تتغير طبيعة الواقعة لأننا اكتشفنا شيئا عن شخصية من نقلها.

وهذه من المسائل التي أجدها شاقة على النفس البشرية، فالإنسان يحب أن تكون الحقائق في صف الذين يحبهم، ويشعر بشيء من الضيق حين يكتشف أن خصمه كان على حق، وربما يحتاج إلى وقت طويل حتى يتقبل الأمر.

وقد يكون أصعب ما تطلبه من الكاتب أن ينشر معلومة يعرف أنها ستمنح خصمه حجة قوية، وأن يفعل ذلك وهو يدرك أن بعض جمهوره سيغضب منه، وربما يشك في موقفه كله!

لكنني لا أعرف طريقا آخر يحافظ به الصحفي على احترامه لمهنته، فإذا صار المطلوب أن ننتقي من الحقائق ما يناسبنا، فلن نكون أفضل حالا من الذين اتهمناهم طويلا بتزييف الواقع.

وهذه مأساة كل من يكتب وكل من يظن نفسه يقدم خدمة جليلة للبشرية ويكشف لهم الحقائق!.

وأعود إلى مسألة القارئ الحمار، وقد يكون من الظلم أن نحمله مسؤولية هذا كله، فهو في النهاية مجرد إنسان لم يقرأ ما كتبنا.. وربما يكون مشغولا أو متعجلا أو قليل الصبر .. وقد يكون أشد منا فهما في مسائل أخرى.

ولا أرى أن إساءة الفهم وحدها تستحق كل هذا الغضب، فالكاتب نفسه قد يسيء التعبير، وربما يظن أن فكرته واضحة لأن معناها مستقر في رأسه، بينما لا تحمل الكلمات التي كتبها ما يكفي لإيصالها إلى غيره.

ولقد أصبحت لدينا وسائل هائلة للوصول إلى الناس، وأصبح في مقدور صحفي واحد أن ينشر عملًا يصل إلى جمهور لم تكن تصل إليه صحف كاملة، لكن ما يزعجني أن هذه الإمكانات نفسها قد تدفعنا إلى الاهتمام بردود الأفعال أكثر من اهتمامنا بالعمل الذي يفترض أنها جاءت لخدمته.

لذا، تبقى هناك موضوعات كثيرة لم نتناولها بعد، ووثائق لم يراجعها أحد، وشهادات تاريخية تحتاج إلى من يقارن بينها، وقضايا يعيش الناس آثارها كل يوم، ولا يجدون من يشرح لهم أسبابها بقدر كافٍ من الصدق والوضوح.

وهذا هو العمل الذي كنت أريد أن أتفرغ له حين اخترت الصحافة.

ولا أريد أن أتقاعد منه يوما لأتولى وظيفة مشرف على ردود الأفعال. 

فشكرا لكم إذا وصلتم إلى هذه السطور، فهذا يعني أنني كاتب جيد، وبالتالي ستنجح روايتي الأولى، التي أعدكم أن تكون رواية تاريخية لسيرة رجل عظيم لا أظن أن أحدا قبلي اقترب منها كما اقتربت. 

شكرا. 



author-img

محمد محمود ثابت

Kommentare
    Keine Kommentare
    Kommentar veröffentlichen
      NameE-MailNachricht