JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل
Home

السادات بين جهلاء على قناة العربية.. نابليون بونابرت العرب





أحيانا أراقب برامج التلفزيون وأشعر أننا نعيش في سيرك كبير.. نعم، سيرك ومهرجون يرتدون بدلا أنيقة ويوزعون الألقاب الفخمة على بعضهم البعض بالأونطة: أستاذ.. كاتب.. صحفي كبير.. مفكر..

يجلس أحدهم مثل النكسجي جمال فهمي، يمسك قلما وورقة ليحاكم من انتصر وأعاد لهذا الوطن كرامته.. يظن جمال نفسه قاضيا ومفكرا وهو بالكاد يصلح موظف أرشيف.. مع احترامي للأرشيف الذي لم يقرأوه!
قناة العربية العريقة في الحقيقة.. جلبت مهرجين يقيمون رجلا بحجم أنور السادات ولا يرى أحدهم أنه يقف أمام كائن مسكون بلوثة القوة وعقدة العظمة وأسطورة مصرية خالصة.. بما فيها من يؤيده حتى.. جهلوا ذلك!
يا سادة، السادات تركيبة بشرية معقدة لا يمكن فك شفرتها إلا إذا وضعتها وجها لوجه مع عمالقة التاريخ.. نابليون بونابرت مثلا!
ولا أبالغ.. فكسينجر الذي ادعيتم أشياء كثيرة على لسانه غير صحيحة، قد نشر كتابا اسمه "القيادة" وضع فيه ستة من قادة العالم في اعتقاده أنهم غيروا التاريخ الإنساني.. وكان يا للهول.. صدق أو لا تصدق.. السادات واحدا منهم.. جنبا إلى جنب مع لي كوان يو في سنغافورة وشارل ديجول في فرنسا!
أما أنا.. فلا أرى في السادات سوى نسخة من بونابرت!
رحلته نفس الرحلة.. نهايتهما نفس النهاية
كلاهما قادم من القاع.. الكورسيكي الفقير المنبوذ، والفلاح الأسمر الخارج من طين القرى..
الفقر هنا لم يصنع عقدة نقص للبكاء، بل صنع طموحا وحشيا لدهس السقف الطبقي والقفز نحو السلطة المطلقة.. وفي لحظة الوثوب تطابق الاثنان تقريبا..
نابليون يطيح بحكومته في "18 برومير".. والسادات ابتلع مراكز القوى في "15 مايو"..
ليلة واحدة لكل منهما، تحول فيها الفلاح والفقير فيهما إلى حاكم أوحد!
وحين قرر السادات أن يحارب، كان نابليونيا بامتياز في مسرحة الخداع والتلاعب بعقول خصومه.. فكما تعمد بونابرت إظهار الضعف والارتباك ليجر أعداءه إلى فخ "أوسترليتز" التاريخي.. قام السادات بأكبر خديعة.. طرد الخبراء السوفييت ليقنع العدو بأنه مشلول وفي النزع الأخير!
لكن السادات استثنائي.. لم يتورط في حروب إبادة مجنونة تستهلك جيشه كبونابرت.. بل اختار مدرسة "كلاوزفيتز".. حرب محدودة.. عشرة سنتيمترات فقط شرق القناة تكفي لكسر الغرور وإجبار العالم على الركوع للتفاوض!
لكن قسما بربي.. المأساة ليست في التاريخ، بل فيمن هم مثل جمال فهمي ومن ابتلينا بهم.. يسرقون حقنا في قراءة التاريخ.. ليس الأمس فقط.. بل اليوم وكل يوم..
يكفي أن مستشار قناة العربية ألقى في لقاء آخر بكذبة فجة بثقة الجاهل وقال: "السادات اتفق مع كيسنجر قبل الحرب في مسرحية لتحريك القضية!"..
والمصيبة في عبد اللطيف المناوي الجالس أمامه.. ابتلع الإهانة واكتفى بنفي خجول.. لم يلجم الرجل ويصفعه بالحقيقة.. لم يقل له إن كيسنجر لم يقابل السادات أصلا قبل الحرب نهائيا، بل كان يحتقره في تقاريره السرية ولا يأخذه بجدية على الإطلاق!..
لماذا صمت عبد اللطيف المناوي إذن؟..
الإجابة هي: لأننا مبتلون بجيل من "الأساتذة" توقفوا عن القراءة منذ زمن.. هم مجرد جثث إعلامية فقدت القدرة خلاص!
وهنا تدرك لماذا اضطر الأستاذ محمد علي خير مشكورا أن يتجاوز هذا العبث، ويستعين بما ننشره نحن على منصاتنا ليرد الصاع صاعين.. منصاتنا التي يعود لها الفضل وجعلت الجمهور الذي كان يلعن السادات في التعليقات قبل سنوات، هو نفسه من يقف اليوم كحائط صد منيع للدفاع عنه!
بمليارات المشاهدات.. لا الملايين.. وبالأرقام لا بشيء آخر! أتحدث ونضع أصابعنا في عين الجميع!
الحقيقة.. الإنسان في بلادنا ليس غبيا.. هو فقط مضلل.. بفتح اللام.. فيتحول لمضلل.. بكسر اللام.. يردد لمن حوله وبعده الكذب على أنه حقيقة.. دون أن يدري.. وما أكثر ما تجرعه الإنسان في بلادنا من كذب منذ الستينيات وحتى الآن.. عبر إعلام أحمد سعيد وهيكل ورجال اليسار والإخوان!
لذا من المهم دائما أن نفتح الماضي ونعرف تاريخنا بصدق.. المصري يحتاج شخصا واحدا يحترم عقله ويخبره بالحقيقة.. ليعرف أين يقف من حركة التاريخ الذي يكرر اليوم!
أما السادات فكما قلت شخصية أسطورية، قائد فذ وطبيعي أن تكون نهايته حتى مثل نابليون، فقد اختار نهايته التراجيدية التي تليق بالأباطرة.. كما انتهى نابليون معزولا في منفاه..
وككل شخصية خطيرة في التاريخ.. هؤلاء لا يموتون بهدوء على فراش المرض، تحيط بهم أسلاك العناية المركزة.. والمحاليل تتدفق في أوردتهم.. في انتظار طبيب بشري يمنحهم بضعة أيام إضافية أو يعيدهم للحياة ! ..
لا.. من هم مثل السادات مسكونون بلعنة التاريخ.. يظنون أنهم "أنصاف آلهة" لا يليق بهم موت العوام والمنسيين.. يجب أن تكون الخاتمة مدوية، مباغتة، ومكتوبة بالدم، لتليق بحجم ما صنعوه!
تماما كما سقط الإسكندر الأكبر في قمة مجده.. يلفظ أنفاسه شابا في بابل بعد أن ابتلع نصف العالم.. وكما ذُبح قطز بخنجر الخيانة وهو في طريق عودته منتصرا
وكما تمزق جسد يوليوس قيصر بخناجر رفاقه في قلب مجلس الشيوخ، ليسقط غارقا في دمائه وهو ينظر في عيني تلميذه! ..
نعم.. من هم مثل السادات.. أنصاف آلهة..
لذا وفي يوم انتصاره الأكبر.. وبين جيشه ووسط مدافعه.. سقط الجنرال على يد جنوده.. رافضا القميص الواقي بابتسامة قدرية ساخرة.. في نهاية شكسبيرية.. ليدفع ثمن تحولاته.. وجرأته التي سبقت وعي مجتمعه.. من دمه!
رحمك الله سيدي الزعيم.. أنور السادات
author-img

محمد محمود ثابت

Comments
    No comments
    Post a Comment
      NameEmailMessage