"يمشون بين الناس كأنهم أحياء.. لا يرون بعضهم.. يرون فقط ما يريدون رؤيته.. ولا يعرفون أنهم موتى".
طوال عمري كنت أظنها مجرد جملة سينمائية لطيفة في فيلم "الحاسة السادسة".. حتى تأملتها مجددا بعد مشاهدة ثانية، حين نظرت حولي في الشارع، وفي وجوه الناس، وفي المرآة.. فاكتشفت أنها لا تتحدث عن الأشباح.. إنها عنا.. هذا نحن!
بطل الفيلم للأسف لم يبن عالما خياليا من العدم.. هو فقط اخترع تفسيرات مريحة ليحمي الوهم الذي يعيش داخله
زوجته لا تنظر إليه ولا تكلمه؟ إذن هي غاضبة..
لا أحد يتفاعل معه؟ إذن هو منشغل بشيء آخر!
كان يبرر كل شيء لكي لا يواجه الحقيقة.. والحقيقة أنه مجرد "شبح"!
قلت لنفسي: فعلا! الإنسان منا قادر على العيش داخل الحقيقة.. يراها.. ويلمسها.. ومع ذلك يعمى عنها تماما إذا كانت أقسى من أن يحتملها.. نحن لا نكذب على أنفسنا بإخفاء الواقع.. نحن نكذب بإعادة تأليفه واختراع التفسيرات كي لا نصدق الحقيقة نفسها!
خذ عندك هذا الذي يعيش في زواج مات إكلينيكيا منذ سنوات.. لكنه يمارس طقوسه اليومية كأنها فترة وهتعدي.. أو ذلك الموظف المطحون الذي يكره عمله، ويستيقظ كل صباح ليدور في ساقية مكررة كترس ميت.. منتظرا فرجا لن يأتي!
أو تلك السيدة التي تركها من تحب، لكنها تتصرف وكأنه سيطرق الباب غدا ليركع قائلا: سامحيني!
كل هؤلاء أحياء بيولوجيا.. يأكلون ويشربون.. لكنهم في الحقيقة "موتى"!
ينطبق عليهم قانون الفيلم بالحرف.. بشر توقف زمنهم الداخلي عند لحظة معينة.. جرح قديم.. رفض.. فشل.. خيانة..
فالجسد يكبر، ينجح، ويتزوج، وينجب، وربما يشيب.. لكن القرارات ما زالت تصدر عن ذلك الطفل المحبوس في لحظة الصدمة ..
وإذا دققت النظر أكثر.. لوجدت مثلا أن هذه الجملة هي الوصف الأدق لحكامنا ومسؤولينا!
المسؤول في بلادنا مثلا.. يجلس على كرسيه الوثير.. معزولا في فقاعته.. تحاصره طوابير الجوعى، والمدارس المنهارة، والمستشفيات التي تفوح منها رائحة الموت.. لكنه لا يرى شيئا من هذا!
سيشير بإصبعه إلى أبراج أسمنتية وناطحات سحاب وإنجازات بلهاء، ويقول لك بأحفنة: انظر للعظمة!
أما أنين المطحونين، فيعيد تفسيره فورا ليصبح مؤامرة كونية.. وصرخات الجوع تتحول في قاموسه إلى قلة وعي.. وانهيار الخدمات يصبح فجأة ضريبة بناء الوطن!
وهو لا يسأل نفسه أبدا: أي وطن هذا الذي نبنيه وهو يسحق مواطنيه؟
الحقيقة يمكن أن نعيد كتابة جملة الفيلم ونقول إن هؤلاء يمشون في مواكب السلطة كأنهم أحياء.. وهم في الواقع جثث موتى فقدت القدرة على الشعور!
إنه أيضا فيلم يصرخ في وجه عالم لا يسمع أحدا..
مثلا البطل في البداية لم يكن يسمع الطفل، كان يضعه في خانة طفل مضطرب.. مراهق يعاني من هلوسة.. وبمجرد أن نصنف الناس، نتوقف فورا عن الاستماع لقصتهم ورؤية حقيقتهم، لأننا صنفناهم!
وهكذا أفنى الطبيب حياة مريضه القديم في الفيلم.. لأنه عالج الأعراض وتجاهل الإنسان
والذي أنقذ الطفل في النهاية أن الطبيب قرر أخيرا أن يتنازل عن تعاليه.. يتوقف عن كونه خبيرا يشخص، ليصبح شاهدا يصدق!
فالإنسان المطحون والمقهور لا يحتاج منك دائما أن تحل مشكلته.. ولا أن تقنعه بأن القادم أفضل.. هو يحتاج شخصا واحدا فقط.. ينظر في عينيه ويحنو عليه.. والإنسان المطحون المقهور الآن.. لا يجد الآن من يحنو عليه.. وأظن لن يجد!