ما جرى مع واحد من صناع المحتوى السياسي، خلال الساعات الماضية لم يكن مفاجئا بالنسبة لي، ولا يستحق هذا القدر من الدهشة التي أظهرها البعض، لأنني رأيت هذا النموذج من قبل، ورأيت نهايته، ورأيت المسار نفسه يتكرر بالحرف، حتى لم يعد الأمر يحتاج إلى تحليل جديد.
نحن أمام نمط واحد مكرر، نسخة تتشابه في السلوك، وفي الوهم، وفي النهاية.
وقد كتبت من قبل عن هذه الفئة تحديدا، وقلت إنهم من أحط ما أنتجته هذه
اللحظة البائسة التي نعيشها من عمر الوطن، ولا أبالغ في كلامي، ولكن التجربة تثبت
أن هذه النوعية تصل إلى نقطة من الانفلات الذهني تجعلهم يصدقون ما لم يكن لهم يوما.
وهؤلاء لا يسقطون فجأة.
بل يسقطون لأنهم بنوا صورة مزيفة عن أنفسهم، وطافوا حولها حتى صدقوها.
والأمر يبدأ دائما بالطريقة نفسها، فالمنظومة، أي منظومة، تحتاج في لحظة ما
إلى أدوات قذرة، إلى شخص مستعد للنزول بمستوى الخطاب إلى قاع لا يليق بإنسان لديه
حد أدنى من الكرامة، فيتم استخدام هؤلاء كالعادة، يصرخون، يهاجمون، يشتمون،
وسجالات منتهى البذاءة تحصل على ملايين المشاهدات.
وهنا يظهر أول شكل للتشوه الإدراكي، أن يتصور أنه ذا قيمة.
يبدأ يفسر الشخص وجوده في مشهد معين باعتباره وزنا، وأن يعتقد أن دوره القذر
إشارة إلى أهمية قصوى عند أسياده.
وتكبر النفخة مع كل "لايك" من لجان إلكترونية، ومع كل مشاهدة من
جمهور ضعيف التعليم، ومع كل منشور يظن صاحبه أنه يصنع تأثيرا.
ثم تأتي لحظة الدعوات الرسمية أو الظهور على منصات أكبر، فيُستدعى إلى جهاز
سيادي أو مؤتمر أو لقاء رئاسي، فتلتقط له صورة، فيفهم الدعوة فهما خاطئا تماما.
الدعوة في معناها الحقيقي مجرد إجراء شكلي، بروتوكولي، لا يحمل أي إشارة
لقيمة، بالنسبة لي تعني: "تعال ياض اقعد اترزع هنا".
لكن هو يقرأها باعتبارها إعلانا عن مكانته، وأنه جزء من المشهد السياسي، بل
وصاحب دور فيه.
من هنا تتطور اللوثة، ثم تتحول إلى يقين، ثم يتصرف الشخص كما لو أنه شريك للنظام
لا الكلب المطيع.
ويبدأ كما فعل شريف، في مخاطبة مؤسسات الدولة بنبرة من يتحدث إلى نظيره،
وينتقد، ويعاتب، ويشكو للرئيس نفسه، وينسى في لحظة أنه ليس طرفا في الدولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يجرؤ شخص مثله على أن يناطح أسياده فجأة
وينتظر العون من أحد؟ ما دخلنا؟
الإجابة بسيطة:
لأنه فقد إدراكه لموقعه الحقيقي، وصدق أنه مهم، واعتقد أن مشاهداته انعكاس
لحب الناس، وأنها حصانة له!
وهذا هو التشوه الإدراكي بمعناه الدقيق، أن يعيش الإنسان في مساحة أكبر من
حجمه، وأن يتصور نفسه خارج السيطرة، وفي اللحظة التي يصل فيها لهذه المرحلة، تأتي
النهاية بالطريقة نفسها كل مرة: مجرد ميكروباص بلا لوحات، في الفجرية، وإعادة الشخص إلى حجمه
الحقيقي.
وهنا تتحقق العبرة.
وما أقوله هنا لا يخص شريف وحده. بل يخص كل من يشبهه، وكل من ظن ولو لثانية أنهم
ذات قيمة، وأن الاقتراب من أفراد في جهات ما يعطي حصانة ويمنحك الحق في أن تكون
نبرتك استعلائية!
الحقيقة واحدة: أنت مجرد كلب يجب أن يكون مطيعا ينبح على الآخرين حين يأمرك
سيدك بالنباح، وهذا ليس تحقيرا، بل توصيفا دقيقا.
وأتمنى أن يتعلم الجميع الدرس!

